الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

285

الاجتهاد والتقليد

وأمّا الثاني : فلأنّ مقتضى العمومات الناهية عن العمل بما وراء العلم وعن التقليد ، حرمة التقليد رأسا ؛ خرج منه التقليد الواحد وبقي سائر التقليدات مندرجا تحتها ، ولا مخرج لها نظير ذلك ، كما فيمن وقع في مخمصة ، وأحضر رجلان - مثلا - كلّ واحد ميتة ، فمع سدّ الرمق بميتة واحدة ، لا يجوز التعرّض للأخرى . فإن قلت : الكلّ متوافقون في الحكم ، فما نحن فيه من قبيل ما لو أحضرا ميتة واحدة . قلت : لو كان التوافق مجوّزا لتقليد الكلّ ، لكان ذلك الحكم ثابتا فيما لو توافق رأي مجتهد حيّ مع مجتهد ميّت ، مع القول بعدم جواز تقليد الميّت ؛ أو توافق رأي أعلم وغيره ، مع القول بوجوب تقليد الأعلم ؛ أو كان على المسألة نصّ صحيح وقياس ، مع أنّه لا يجوز بالاتّفاق على هذا الفرض إلّا تقليد الحيّ والأعلم والأخذ بالمسألة من حيث أنّ دليله النصّ ، على أنّهم لا يجوّزون الرجوع من تقليد مجتهد إلى مجتهد آخر موافق له . مضافا إلى أنّه يمكن أن يقال : إنّ ذلك المقلّد بعد ما قلّد مجتهدا في مسألة ، يكون تقليده لمجتهد آخر موافق له فيها ، تحصيلا للحاصل ؛ لكن هذا الوجه مردود ، لإمكان فرض صورة لا يلزم ذلك ، كما لو اطّلع على فتاويهم قبل البلوغ ، وبعد البلوغ يريد أن يقلّد الكلّ مرّة واحدة . وأمّا الثالث : فلاتّفاق على كون قول كلّ مجتهد دليلا على الانفراد ، وبأنّه ليس من قبيل قول الشاهدين . وبعبارة أخرى : لم يقم دليل على اعتبار قيد الانضمام في الحجّيّة فيما نحن فيه ، بل قام الدليل على خلافه . وأمّا الرابع : فلكونه خلاف المفروض ، على أنّا إن سلّمنا ذلك نقول : إنّ الواحد المعيّن إن كان ذا دون ذلك وبالعكس ، يلزم الترجيح بلا مرجّح ، فإنّ كلّ واحد منهما في عدم التعيين مساو للآخر ، فكيف صار الواحد المعيّن هذا دون ذلك ؟